recent
أخبار ساخنة

الموقف من المنطق في الثقافة العربية الإسلامية

 الموقف من المنطق في الثقافة العربية الإسلامية

فيصل غازي مجهول

مقدمة

بعدَ أن امتدَّت الدولةُ العربيةُ الإسلامية نشأتْ فيها علومٌ لم تكنْ معروفةً من قبلُ، وبدأت المسائلُ تتعقدُ أكثر، فدخلت إلى البيئةِ الثقافيةِ العربية الإسلامية كتبٌ وعلومٌ جديدة. وكلُّ جديدٍ يواجَهُ برفضٍ أو قبولٍ وتأييدٍ من السلطاتِ السياسيةِ والعلميةِ والدينية والشعبية. وليسَ القبولُ والرفضُ والمنعُ من المسائلِ العلميةِ الصرف بل تتداخلُ فيها عواملُ سياسيةٌ ودينية وغيرها من العوامل، إذ قد يُشجِّعُ السياسيُّ أو الحاكمُ الجديدَ الذي يصبُّ في مصلحتهِ والذي يُثبِّتُ أركانَ دولته، وقد يَقمعُ الجديدَ الذي فيه خطرٌ عليها. وربما يمنعُ فكرةً أو علماً أو كتاباً إرضاءً لفئةٍ مؤثرةٍ في المجتمعِ يتَّكئ عليها في حُكمِه.

هكذا كان التعاملُ مع تلكَ العلومِ التي أُطلقَ عليها علومُ الأوائلِ أو العلومُ الدخيلة؛ وهناك مَن وقفَ منها موقفاً إيجابياً وهناك مَن وقفَ موقفاً سلبياً، وأخصُّ منها المنطقَ الذي هو موضوعُنا. أمَّا الإيجابيُّ فهو معروفٌ في الدوائرِ الفلسفية، فما مِن مشتغلٍ في الفلسفةِ تقريباً إلا كان له علمٌ ودرايةٌ بعلمِ المنطق، وكذلك الأطباء، وبعض الخلفاء والأمراء الذين كانوا سبباً رئيساً في التشجيع على ترجمتهِ ودراسته وشرحه ونشره. أما الفقهاءُ فمِنهم مَن قبلَه وألَّفَ فيه الكتبَ على الرغم من استبعادهِ بعضَ مسائلِ الفلسفة. وأما الموقفُ السلبيُّ فقد مثَّله فقهاءٌ ولغويون وسياسيون؛ فقهاءٌ حَرَّموا الاشتغالَ بالفلسفةِ والمنطقِ خاصةً، ولغويون لم يروا فيه فائدة، وخلفاءٌ وأمراءٌ كلٌّ بحسبِ فهمهِ للأشياء. وقد تمَّتْ معاقبةُ بعضِ رجالِ العلمِ الذين اشتغلوا بالفلسفة أو كانت في مكتباتهم تلك الكتبُ وأُحرقت علناً. واشتهر قولُ "من تمنطقَ تزندق"، واشتُهرت فتاوى أخرى ضدَّ المنطقِ والفلسفةِ عموماً. لقد كان التديُّنُ السائدُ المنتشرُ بينَ الفقهاءِ ضدَّ الفلسفةِ والمنطق، حتى أن بعضّ المشتغلين بالفلسفةِ والمنطقِ من الفقهاءِ لم يكونوا يُظهرون هذا الأمر خشيةً من الصورة النمطية. وما يزالُ بعضُ رجالِ الدينِ حتى يومِنا يُكررون المواقفَ القديمةَ نفسَها؛ فمنهم مَنْ جعلَ المنطقَ من ضمنِ المناهجِ الدراسيةِ ومنهم مَن أفتى بأنه حرامٌ ولا تجوزُ دراستُه.

(مجلة العلوم التربوية والنفسية، كلية التربية – ابن رشد. العدد (165) 30 اذار 2026).


author-img
فيصل غازي مجهول

تعليقات

google-playkhamsatmostaqltradent