الضفافُ وتجلياتها
حينَ يقفُ الكائنُ على ضفةٍ ما تجدُه واحداً منها، مُدافعاً عنها حريصاً على إظهارِ بواطِنها، غيرَ أنَّ طمعَهُ في الضفةِ الأخرى يجعلُه حبيسَ أمانيهِ، فهل هو مشكِّلٌ لضفتِه التي تعنيهِ أم أن إرثاً وصلَ إليه فلمْ يُحِب أن يسائلَه، بل اكتفى بالنظرِ إليه مقدماً أسئلتَه تِباعاً، إن أجاد بها فله راحةُ تُغنيه عن حَيرةِ الأسئلة، وإن أخفقَ حاولَ أن يُلونَ ضِفافَ الآخرَ بتلاوين يجترحُها، إنها دوامةٌ من الأسئلةِ التي تربطُ بين الضفتيِن غيرَ أنَّ التواصلَ لا يعني الآمالَ بطرفِ كلِّ ضفةٍ بل السعي للتأمل في ماهيات جديدة، قد يكون التأملُ طرحاً لأسئلة لا تنتظرُ جواباً، أو أن يكونَ التأملُ خالصاً يدعو إلى نفض الغبارِ بتؤدَة. وقد يكون التأملُ سبيلاً لإثارة المفارقاتِ التي تمنحُ النفسَ البشريةَ راحةً افتقدتها منذُ زمنٍ ليس بالقصير.أنْ يقفَ الإنسانُ خارجَ الكتابةِ يعني أن يطرحَ كتابتَه بشكلٍ جديدٍ لا يؤمنُ بالأشكالِ التقليدية، فالكتابةُ هنا تصبحُ مراوغةً مع القراءةِ حدَّ التَّماهي، إنها الاقترابُ من درجةِ الصفرِ التي تسعى إلى تعريةِ الحقائق، فكيف تقتربُ من الحقيقةِ عاريةً دونَ أن تتلبسَ جزءاً من هذا العُري الذي يرفضُ أسطورةَ ورقةَ التوت، فالأشياءُ مدانةٌ حالما نفكرُ فيها وإن كانت إدانةً شخصيةً لدى المثقفين الذين يجيدون ببراعةٍ لعبةَ الكلماتِ التي أصبحتْ هوسَهم وملاذَهم، الكلماتُ انتماءٌ لا يؤمنُ بالهوية، لا يفرضُ شكلاً للحوار، لا يصابُ بالعَفن. الكلماتُ تشكيلُ لعالمٍ قد لا يُعجبُ أصحابَ القرارِ لكنَّ الكاتبَ غيُر معنيٍّ بأن يدعو الجميع، يكفيه دعوةُ نفسِه إلى فهمٍ خاص.
هل يستطيعُ الكائنُ أن يُقدِّمَ نفسَه كاتباً مجرداً لا تلحقُهُ صفةٌ تعريفيةٌ شعريةً أو روائية أو قصصية أو نقدية أو ربما أكاديمية؟ هل يستطيعُ الكاتبُ أن يتجردَ من صفاتٍ تحولت إلى هُوياتٍ يدمغُ بها من تعلَّمَ دربةً معينة؟ قد يرفضُ البعضُ مقولةَ أنَّ التعبيَر واحدٌ لكنَّ الشكلَ متعددٌ، لأنَّ ذلكَ يُعدُّ نفياً لخصوصيةِ الشَّكل. وقد يقتربُ البعضُ من إيجادِ التعابيرِ المتعددةِ ثم يرفضُ أن يضعَها في شكلٍ معين، فشِعرُك قد لا يهمُّني لكنَّ لوحةَ الآخرِ تُعيدُ بنائي، وقد ينقلُك الآخرُ إلى مجتمعاتٍ لا تمتُّ لكَ بصلةٍ إلا أنكَ تشعُرُ بحيويتها مثلما يفشلُ البعضُ في التعبيرِ عن أوطانِهم المعذبةِ لأنه يصفُ عَذاباً لا يحتاجُ إلى الوصف.
لا يمكنُ أنْ تملكَ سِحرَ الكتابةِ إلا إذا أيقنتَ أنَّ الجميعَ يكتبونَ معك، فتستعيرُ حِبراً من هذا وورقةً من ذاكَ وألماً من مصهرِهم، في الوقت الذي تعيدُ ترتيبَ ذاتيتك بشكلٍ يمحو الفواصلَ والحُدودَ بينَ كتابةِ الشكلِ وشَكلِ الكتابة.
مقدمة د. عصام العسل
