الأب يوسف حبي: غيبوبة ساخنة
تقديم
فيصل غازي مجهول
كأني في حوار مع الأب يوسف حبي عندما احتار في العنوان الذي يريد أن يختاره.. وقد اخترت "غيبوبة ساخنة". لقد كتب الأب يوسف حبي في الصفحة الأولى: "غيبوبة ساخنة".. ثم شطب. وكتب: "يسقط الزهر في الربيع"، وكتب: "طيبٌ هو الموت"، وشطب هذين العنوانين أيضاً. وبعدها كتب بين خطوط حمر: "ثم ماذا؟"، و"مئة". وكل منها يصلح أن يكون عنواناً لهذه المجموعة من الخواطر والذكريات، إذ إنه يعبر عن شيء مما جاء فيها. لكنها حيرة الاختيار! أما الـ "مئة"، فلأنها تتكون من "100" فقرة. فهي – كما كتب – "مذكرات سُجلّت منذ آب 1981 ولغاية أيلول 1982 ونقحت في صيف 1985 و1988".
أَروايةٌ هي أم مذكرات أم خواطر؟ لقد احتار في تصنيفها
أيضاً، فهو يعرف الفرق بين الأجناس الأدبية، ويرى أنه إذا صنَّفها "روايةً"
فهناك قواعد وأساليب متعارف عليها لا تجعل ما كتبه يندرج تحت هذا الصنف. لذا – كما
يقول – فإنه قد ترك الأفكار والأحداث تنساب من دون ضوابط وقيود.
هناك فرق بين الرواية والقصة والخاطرة... شخصيات وزمان
ومكان وحبكة وأشياء أخرى... إذن، فهي خواطر وذكريات وأفكار امتزج فيها الخيال والأحلام
بالحقيقة والمعاناة والخبرة الشخصية... خواطر مقسمة على أقسام، فيها تنقلات سريعة
بين موضوعات عدة.. وأحياناً ينتقل سريعاً من الغرب إلى الشرق من الحاضر إلى الماضي
من خلال الحلم... وكانت أجواء الحرب محيطة بالكتابة.. كيف لا وقد كانت حرباً عنيفة
قاسية أثرت في كل مفاصل الحياة.
مفارقات عدة؛ موت وتشييع شهيد، وحضور أفراح وأعراس... أفكار
عن الحرب الحقيقية والحرب الباردة، والأذى من جميع الحروب، وأمنيات بنهاية الحروب..
أفكار ومسائل عن البعد العملي أو المصالح عند الدول التي
قد لا يهمها شيء أكثر من الحفاظ على مصالحها. ومنها كساد الأسلحة، تلك المسألة
التي يعرفها حتى سائق التاكسي كما يقول، أسلحة تحتاج إلى بيع. وإذا كانت هذه أفكار
الشارع فكيف بصُناع السياسة! إنها مصالح وحسب.
فيها شيء من الذكريات الحقيقية، عندما يذكر كتابه
"الإنسان في أدب وادي الرافدين"، فهو يستعمل بعض الموضوعات الحقيقية
مادةً لهذه القصة أو الخواطر.
فيها إشارات لمسائل نفسية؛ مثلاً، يقول: هكذا هم الناس،
في كل الأزمنة والأماكن... لا يطيقون الآخرين أفضل منهم.
ويذكر مفارقات وانطباعات عن الشرق والغرب، فهو غير منبهر
بكل ما في الغرب، بل ينقد بعض عاداتهم.
ويدعو إلى عدم تدخل رجل الدين في السياسة قائلاً: "أفهم
دومًا أن لا يتدخل رجل الدين في أمور السياسة، لأن ذلك سيقوده ويقود البلد إلى أحد
أمرين: إما إلى شلّ حياة المجتمع الذي يتحكم فيه رجال دين ذوو نظرة ضيقة جامدة، أو
إلى نشدان كمال يتعذر على البشر عيشه في كل لحظة وكل موقف".
ثم يستدرك ويقول على لسان محدِّثه: "إن الذي تقول
خطير". فيجيب: "يفهمه المستنيرون. الأمل أن لا ينعتوني
بالكفر والتخريب، فهي حسبي خطوة كبيرة لاستعادة الموازين". إن رجل الدين يخشى
أيضاً من تهمة التكفير ما إن يخرج عن الفهم الرسمي أو الشائع عند الأغلبية.
في هذه الخواطر بعض الأفكار التربوية التي تُعد حلولاً
لمشكلات اجتماعية، فقد كان يطمح إلى التغيير وينقد البقاء على واقع الحال.
هو لا يتخفى وراء شخصيات غامضة، بل كان واضحاً مَن هو؟
ومتى يتكلم؟ وما رأيه؟
يتحدث عن بعض المفاهيم الإشكالية كالحب والسعادة
والحرب... وكذلك السياسة، يقول: "ومن الخدعة العظمى بمكان أن يتصور أحدنا أن
بوسعه أن يفلت من آلة السياسة وتحركاتها... السياسة اليوم ملح يدخل في كل وجبة
طعام".
ويدرك أن العالم في تحول دائم: "قلت: لا يظل العالم
أبدًا هو هو يومًا واحدًا، إنه في تحول دائم، إنما ليس من المحتوم أن يكون تحوله
نحو الأفضل، وأقصد للأفضل بالمفهوم الإنساني، طبعاً". إنها أفكار عن تطور
المجتمعات وتغيرها، وليس بالضرورة نحو الأحسن والأفضل.
إنها غيبوبة ساخنة؛ يصحو من غيبوبة ثم يعود إليها..
يستيقظ من كوابيس الحرب فيرى قسوة الحياة.
إنه الأب يوسف حبي.. المعلم الملهِم المحفز المعطي حياً وميتاً.
