recent
أخبار ساخنة

اجتماع الزهاد

وجَّهت إحدى المؤسسات دعوات إلى زهاد العالم لحضور اجتماع يناقش أمور الفقراء والمحتاجين. وقد أرسل منظمو الاجتماع الدعوات إلى أشخاص قد عُرفوا بالزهد قولاً وفعلاً فرفضوا الحضور قائلين إنا قد اخترنا الفقر اختياراً، لقد أقبلت علينا الدنيا فأدبرنا عنها، واقتنعنا بالزهد ولم نفرضه على أحد، ولم نتأخر عن نصرة الفقير المحتاج على قدر استطاعتنا وبطريقتنا. لكن، من ضمن ما زهدنا فيه هذه الاجتماعات، فليس عندنا ما نقوله فيها، وسواء علينا وعلى المجتمعين والفقراء أحضرنا هذا الاجتماع أم لم نحضر. فوُجهت الدعوات إلى زهاد من نوع آخر قد أطلقوا هم على أنفسهم اسم الزهاد فلبوا الدعوة بلا تردد وقالوا سنذهب على الرغم من مشاق الطريق ومخاطره دفاعاً عن الفقراء والمحتاجين، فنحن خير من يمثلهم.

    نقلت شركة الزهد العالمية هؤلاء الزهاد جواً وبراً وبحراً إلى موقع الاجتماع، فركب زاهدُ الجبلِ طائرة ومعه أصناف من التين والجوز واللوز وما جاد به الجبل من خيرات هديةً للفقراء. ولبى الدعوةَ زاهدُ السهل وذهب محملاً بالتمر والرمان والبرتقال هدية للفقراء. وتوجه إلى الاجتماع زاهد الصحراء حاملاً أرقى أنواع حليب النوق الطازج هديةً للفقراء. وركب زاهد البحر سفينة تحمل أنواعاً من الأسماك لم يسمع بها أحد من قبل هديةً للفقراء، وكذلك حضر زهاد الهضاب والأهوار والتلال...

    وصلوا إلى موقع الاجتماع وكانوا متعبين مرهقين من طول السفر الجوي والبري والبحري... فأولموا وليمة كبرى حضرها زهاد الجبل والسهل والصحراء وغيرهم مع نوابهم وحرسهم وكتبتهم وخدمهم وصحفييهم، ومنع حراسُهم الفقراءَ من مشاركتهم لأن الوقت لم يحن بعد للقائهم. وأكلوا وشربوا حتى امتلأت بطونهم على سعتها، وأجهزوا على الطعام ولم يبقوا منه شيئاً، ثم قاموا إلى المنابر يخطبون.

    صاح الفقراء نحن جياع، فقام زاهد الجبل وقد أصيب بتخمة شديدة يسنده رجلانِ من فرط سمنته وقال: إن مساعدة الفقراء واجب مقدس، لكنَّ الفقرَ لو تعلمون خيرٌ من الغنى، فهل رأيتم حكيماً يوصي بالأغنياء خيراً؟ إياكم والإكثار من الطعام، فالإسراف غير محمود، الصيامَ الصيام، ولا أفضل من معدة خالية وقلب عامر بالحب. فهل رأيتم أفعى تأكل ثلاث وجبات في اليوم؟ إنها تأكل وجبة واحدة تكفيها لأيام أو أسابيع، فلا تجعلوا الحيوانات أكثر صبراً وتحملاً منكم. إن كثيراً من الأطعمة سموم تضر بالجسم ولا تنفعه، فافرحوا لأنكم نجوتم من أمراض الأغنياء.

    صاح الفقراء إننا حُفاة عُراة، فقال زاهد الصحراء الذي أهلكته رحلته الطويلة بسيارة مبردة من جميع الجوانب: تحملوا الحر والبرد، فقد ضُربت الأمثال بقوة التحمل، أما سمعتُم بالجمال تحتمل حرَّ الصحراء بلا ماء ولا تشكوا؟ فإن كنتم عراة والثلج يحيط بكم من كل جانب فتحملوا ولا تتذمروا، فلولا الثلج لما كانت الأنهار والبحار، وإن كنتم حفاة في الحر فلا تخافوا من حرارة الشمس، فلولا الشمس ما كانت الحياة على الأرض، فاكتفوا من الملابس بما يستر العورة أما البقية فمن الكماليات التي لا تليق بالإنسان.

    صاح الفقراء نريد مساكن فنحن عاطلون مشردون ولا أمل لنا في تكوين أسرة. فقام زاهد السهل يتكئ على عصا ذهبية القبضة، وقد ترك في كل مكان زوجة، وقال: ما خنق الناس إلا تلك المنازل الصغيرة التي أخرجت الإنسان من طبيعته، عودوا إلى الطبيعة إلى العراء إلى الفضاء فهي رموز للتحرر، وما المنازل إلا سجون لكم، وإن تزوجتم فنظموا حياتكم الزوجية ولا تسرفوا. وثنى على كلامه زاهد البحر: لا تسكنوا كالجرذان في جحور ضيقة وكونوا كالحيتان أعظم كائنات البحر بلا منازل تعيش حرةً طليقةً في البحار والمحيطات.

    ومثل هذا فعل بقية الزهاد حتى انتهى الاجتماع، وقد خرج الفقراء بعد أن شبعوا نصائح ولبسوا مواعظ. وهنَّأ الداعون إلى الاجتماع أولئك الزهادَ ممثلي الفقراء المدافعين عن حقوقهم على كل ما بذلوه من جهد ومشقة دفاعاً عن الفقراء والمحتاجين، وقالوا لهم: لقد قُمتم بعملكم خير قيام، وسنقوم بعملنا من أجل الفقراء أيضاً، نريد من زهاد الجبل والسهل والصحراء والبحر أن يساعدونا في مشاريعنا الخيرية، قالوا: وما هي؟ فأجابوا: باركوا تجارتنا التي سننقل بها خيرات الجبل إلى فقراء السهل وخيرات السهل إلى فقراء البحر وهكذا. ثم قالوا: إذا أرادت مجموعة من الناس أن تعبر عن سخطها من دولة معينة أنزلت علم تلك الدولة ومزقته أو أحرقته، وستمتعض تلك الدولة من هذا الفعل، وإذا أرادت أن تعترف بها رفعت ذلك العلم عالياً، لماذا؟ لأن العلم رمز لها. أما أنتم فرموز للزهاد والفقراء، وما نحن إلا خدم للفقراء، فإذا أطعمناكم أفضل طعام وألبسناكم أجمل الملابس وأسكناكم أعظم الدور فكأن الفقراء جميعاً قد أكلوا وشربوا ولبسوا وسكنوا. فصاح الزهاد: سنبارك كل ما تقومون به، فكلنا في خدمة الفقراء.

د. فيصل مجهول

(نجم المشرق، العدد (48) السنة الثانية عشرة (4) 2006).

author-img
فيصل غازي مجهول

تعليقات

google-playkhamsatmostaqltradent