محاضرات الأب يوسف حبي في:
مقدمة
فيصل غازي مجهول
يجب الأخذ
بالحسبان أن ملازم الأب يوسف حبي كانت في العقد الأخير من القرن الماضي، وقد كان
الظرف الاقتصادي صعباً، وكان الحصول على الكتب والمصادر ليس متيسراً، فكان لابد من
"ملزمة" تكون تحت اليد من أجل المتابعة والدراسة، مع إحالات إلى مصادر
ومراجع أخرى.
كتب عن الفلسفة
الأدبية والأخلاق الاجتماعية وعلم الاجتماع وفلسفته وعن تاريخ الإلحاد، وقد كتب عن
كل ذلك مبتدئاً من مرحلة التأسيس عند الفلاسفة القدماء ومنتهياً بالمعاصرين. وبعض
ما كتبه اقتباس من مؤلفات أشار إليها، لاسيما كتاب ارفنج زايتلن، وقد ترجم بعض
المصطلحات إلى العربية، وقد تكون بعض الكلمات العربية المستعملة أقل شيوعاً من
غيرها، كأنه في بعض الفقرات كان يفكر بلغة أخرى، ومن الممكن إعادة صياغة بعض
الجمل، ذلك أنه كان يرجع إلى مصادر غير عربية في موضوعات الفلسفة فهو يجيد لغات
عدة شرقية وغربية.
وما أود الإشارة
إليه أكثر يخص محاضراته في تاريخ الإلحاد. فقد كان - وما يزال – موضوع الإلحاد
حساساً في ثقافتنا. وكان الأب حبي يدرك ما يفعل، إذ إن هناك فرقاً بين فهم الإلحاد
ظاهرةً فكرية من جانب، والتداول البسيط للإلحاد من جانب آخر. وقد أدخل الأب حبي الإلحاد
مادةً دراسية لأغراض الفهم والتعمق ومناقشة فكرة موجودة قديماً وحديثاً، فالإلحاد
مادة إشكالية اصطلاحاً ومحتوى وتاريخاً وشخصيات. وكنت قد أكملت فيما بعد تدريس
مادة الإلحاد في كلية بابل حتى تم إلغاؤها. ورجال الدين أنواع؛ منهم من لا يقترب
من الإلحاد ولا يريد أن يعرف من هو الملحد؟ وكيف يفكر؟ ويكتفي بأنه يعرف الإيمان
ويفهم الدين، من دون حاجة إلى فهم وجهة النظر المضادة. ومنهم من لا يخشى الإلحاد،
ذلك أن الأفكار الإلحادية إذا كانت ضد ما يعتقد به فإنه يحب أن يقتحم هذا المجال
وأن يدافع عما عنده بالعقل والبرهان والمحاورة لا بغيرها من الأساليب، بل يزداد
إيمانه قوةً بدراسة الأفكار المضادة للإيمان. ولا يمكن أن يكون الناس على شاكلة
واحدة في التفكير.
لكن، إن كنتَ
تتكلم عن الإلحاد فقد لا يُفهم ذلك في زمن بدأت الأمور تتجه نحو التديّن والحملة
الإيمانية رسمياً؛ حتى لو كنتَ رجل دين! إذ قد يُعد ذلك ترويجاً لفكرة غير مقبولة،
وقد لا يسلم حتى رجل الدين من ذلك، وإن بدا الأمر متناقضاً! فقد يكون ذلك بمعنى الخروج
عن المألوف والشائع في الفهم والتفسير والتأويل وأشياء أخرى... ولم يكن الأب يوسف
حبي منتمياً إلى المدرسة التقليدية في فهم الدين أو التدين أو الدعوة إلى الدين
والحياة، وكان ينظر إلى كل هذه الأفكار نظرة معرفية من أجل الفهم والتغيير، وهذا
ما أراد أن يبينه؛ صور الإلحاد وأسبابه وخواصه ومسائل أخرى. وهو بطبعه كان ميالاً
إلى اقتحام مجالات كثيرة.. فهو كثير الاهتمام قليل الحذر، يُقدِم أكثر مما يُحجم.
إن هذه المحاضرات
تمثل مرحلة من مراحل التفكير والتأليف وتوجيه الطلبة إلى فهم أعمق لبعض موضوعات
الفلسفة.
