كان بائع الخراف واقفاً مع أغنامه ينتظر من يشتريها، وطال انتظاره وخشيَ أن تغيب الشمس ولا مشتري.
وكأيِّ شخصٍ عند الفراغ كان يحاور نفسه، فماذا يفعل وقد تعبت عيناه من النظر يميناً وشمالاً في انتظار المشتري؟ وقفت سيارةٌ وأنزلت شخصاً فظن أنه متجهٌ نحوه، ففرح وابتسم ابتسامة البائع المرحب بالزبون، لكن الشخص مضى ولم يلتفت إليه فتقلصت شفتاه اللتان لم تمتدا طويلاً. قال: يا له من حظ عاثر اليوم، أين أَكَلةُ اللحوم؟ ما الذي حدث للناس؟ هل تحولوا إلى نباتيين؟ اللهم أبعد النباتيين عنّا. هل ترك الناسُ النذور؟ ألا يتزوجون؟ ألم يمت أو يُقتل أحد فتُقام الوليمة على روحه؟...
كل هذا لم
يحدث، كأن الزمان قد توقف. ثم نظر إلى أحد الخراف التي كانت بجانبه فقال له: ما إن
اشتريتُك حتى انقطع رزقي أيها الخروف النحس. كيف أتخلص منك؟ هل أُهديك لشخصٍ أكرهه
فأضرب عصفورين بحجر؟ لا، لن أفعلها، فثمنُك لا يُستهان به. هل أذبحك... هل...
هل...؟ وما يزال يعدد الاحتمالات حتى غلبه النعاس، وإذا به يُكمل حواره مع الخروف
في المنام. هل أذبحك... أيها الخروف النحس؟ أنت لستَ كالخراف التي أعرفها، فيك شيء
استثنائي غير مريح. كأنك صاحب فكرة أو...
- فقال له الخروف: نعم أنا لستُ خروفاً اعتيادياً، بل
أنا استثنائي.
- خروفٌ يتكلم؟
- نعم أتكلم، وأعترض على مصيري الذي تخطط له، إذ ليس
لديك من احتمالات إلا القتل والذبح.
- هذا مصيرك ومصير أجدادك وآبائك وأحفادك، ولم أحلل
حراماً أو أحرم حلالاً، فما أنت إلا خروف كبقية الخراف، نذبحك عند الحاجة أو في
المناسبات.
- هذه سنتُك وسنةُ أجدادك. فأنتم البشر لا تكون ولائمكم
إلا بقتلنا، نحن الضحايا دائماً سواء أفرحتم أم حزنتم.
- خمنتُ أنك لستَ كالخراف التي أعرفها، فما قصتُك؟
- أنا كما خمنتَ، خروف استثنائي بكل معنى الكلمة، ولا
أريد أن أذكر لك تاريخي الطويل، لكن سأختصر. لن أحدثك عن حياتي السابقة، فقد كنتُ
أحد دعاة حقوق الحيوان أو الرفق به، ومشكلتي الوحيدة أنني كنتُ صادقاً في ما أدعو
إليه، فكنتُ خروفاً فوق العادة، فعلتُ ما لم تفعله الخراف من قبلي وربما لن تفعله
من بعدي.
- ماذا فعلت؟
- لقد
عانينا نحن الخراف كثيراً من بطش الجميع بنا،
فاستنجدنا ولم ينجدنا
أحد، فقررتُ أن
أعقد مؤتمراً
طارئاً أضع فيه مع إخوتي
حداً للقتل.
فإلى من نشتكي وقد
بطش بنا الحيوان والإنسان
معاً. وقبل أن نبدأ حضَّرنا برنامجاً
ذكرنا فيه
كل ما يمنع القتل واستشهدنا بالتاريخ والدين والعقل وكل شيء. وقد تعاطفت الماعز معنا تعاطفاً
شديداً، وقالوا لنا إنما
نحن شركاؤكم في السراء والضراء، ولا فرق بيننا إلا أن لحومكم عند البشر أطيب
من لحومنا.
أردنا أن نرسل دعوات
المؤتمر إلى جميع الحيوانات التي تسعى إلى السلام. واخترنا رسلاً تذهب إلى جميع ممثلي الحيوانات،
إلى ملوك وأمراء ورؤساء البر والبحر والجو. بعضهم لبى
وبعضهم رفض.
ومن بين
الملبين جُحيش
الأمين العام لمنظمة "حمير بلا براذع"، تلك المنظمة
التي لا
أعرف عنها كثيراً،
لكنها منظمة عالمية انشقت من منظمة "حمير بلا حدود" تدعو لتحرير الحمير
ووحدتهم في كل بقاع العالم ولا تفرق بين أنواع الحمير، وقد قبلوا أخيراً عضوية
"زبرا" بعد طلبات كثيرة، فقد أثبت لهم بالأدلة
البايولوجية
أنه حمار مثلهم ولن تفرقه عنهم تلك الخطوط المرسومة على جسمه،
وأن صفة الوحشية التي أطلقها الإنسان عليه لا تُخرجه من صنف الحمير، ويجب أن يعامل معاملة
أي حمار شريف، وأنه وقومه ليستحقون
الحصول على هذه العضوية. وكما قلت لك لا أعرف الكثير عن نظامهم الداخلي.
كلما اخترنا حيواناً ليكون رسولاً إلى ملوك السباع يدعوهم لحضور هذا المؤتمر اعتذر وقال أَأُرسل
لهؤلاء؟ ومن يضمن سلامتي؟ فكنا نقول له: لا أحد يضمن سلامتك، لكن الرسل لا
تُقتل. فكان يقول: لو كان هناك مثل هذا المبدأ لما أقمنا هذا المؤتمر. فقال
حمل: أنا اذهب وإن قُتلتُ فلستُ أبالي. فقلنا له: لا نريد أن نضحي
بك، فما فعلنا ما فعلنا إلا لمستقبلك أنت وإخوتك. ثم قلنا أن أفضل طريقة لإرسال
الرسائل إليهم أن نستعين بالطيور، فلن تأكلها تلك السباع. فوافق الجميع
بالإجماع، وأوكلت هذه المهمة إلى ورقاء فرحبت بها، وجُهزت الرسائل، لكنها اعتذرت
عن إرسالها إلى الصقور فقُبل اعتذارها بلا تردد نظراً للوضع
الأمني المتردي.
وقد رفض الدعوة ملك الأسود وقال لو
جاءتني من كبير النمور وسيدهم لفكرتُ سنةً قبل الذهاب. وهل تريدون أن
يشاع عني بين السباع بأن ملكهم قد لبى دعوة الخراف؟ إني قد ورثتُ القوة والعزم
والبطش من أجدادي فهل أورث لأشبالي ضعفاً وخسةً وانصياعاً للخراف؟ ومع ذلك أنا متعاطف
معكم، لكنني أقسمتُ على أن لا أخونَ عقيدة الأسود أبداً، وهي أن لا نبطش بأحدٍ ولا
نقتله إلا جائعين، وإن شبعنا فالسلام قائم بيننا وبين الجميع.
وقد تمنى سيد الذئاب أن يكون حاضراً بين
الخراف والماعز والدجاج، لكنه اعتذر. وكذلك اعتذر التمساح والحوت لأسباب بيئية...
لقد
لبى الدعوة
كثير من الحيوانات، خراف وماعز وغزلان وأبقار وخيول وحمير. وبعد جدل ونقاش وأخذ ورد توصلوا
إلى صياغة التوصيات والبيان الختامي للمؤتمر. فقرروا بالإجماع أن القتل
والذبح والبطش ممنوع محرَّم، وعلى الحيوان أن لا يعتدي على الحيوان مهما يكن المبرر، فقررنا أن لا يأكل خروفٌ عنزةً وأن لا يأكل حمارٌ حمامةً
ولا يقتل ديك بعيراً، وإننا نشجب ونستنكر جميع أعمال القتل والذبح والتشريد، وإننا
أمة واحدة لا فرق بيننا أبداً، نعبر عن حقيقة واحدة بالثؤاج واليُعار والرُغاء والصياح
والصهيل والنهيق. وتعالت أصوات الجميع وعبَّرَ كُلٌّ منهم عن فرحته بالقفز أو
الرفس أو النطح. حتى أحس صاحبُنا بألم في قدمه، فاستيقط ورأى الخروف قد داس على
قدمه، فقال: إنك حقاً خروف استثنائي، لذا سأبيعك بالوزن، أما رأسك فسأتبرع به
لدعاة السلام.
فيصل مجهول
(المؤتمر، العدد (1139)، 1 تموز 2006).