لم يكن حظُّه أكبرَ من لعبه، ولا لعبه أكبر من حظه، بل جمع بالتساوي بين جودة اللعب وحسن الحظ. قلَّما يخسر في "الدومنه"، لكنه في "الطاولي" كان معجزة. وكم نصحَ أصدقاءه بترك الشطرنج لأنه لعبة كلها عقل وتفكير، بعيدة عن الواقع؟ فالحياة نصفها عقل ونصفها حظ.
كان يرمي الزارين فيحصل من البداية على "دو
شيش"، وعندما شكُّوا في أمره جلبوا قدحاً فارغاً ووضعوا فيه الزارين، فإذا به
يحصل على الدو شيش أيضاً، لذا أطلقوا عليه اسم "مستر دو شيش". وليست الغرابة
في حصوله على الدو شيش بل في النسبة العالية من احتمالات حصوله على أي رقم يريده.
في اللعب كان الزار ينقذه في الوقت
الحرج، وفي الجد كان يرمي زار الحياة فيخرج سالماً منتصراً ويخرج غيره خاسراً.
1/1
كان
مستر دو شيش يخطط للقيام بمظاهرات ضد الملكية والإقطاع، وأتعبَ أصدقاءه بالحديث عن
الفلاحين والعمال والطبقة العاملة. وكان يكتب لهم بضع كلمات يقرؤونها ولا يفهمون
منها شيئاً، لكنهم اقتنعوا بخلاصة الكلام وسُمو الهدف. حتى أنه شرح لهم سيرة صديقهم
"رزوقي النجار" عندما كان صانعاً يعمل كالعبد ليلَ نهار، وأن رزوقي بروليتاري،
وهو أثمن رأسمال في الحياة. وقد فرح رزوقي النجار بهذا الكلام فرحاً كبيراً، فقد
نُسبت له صفات أجنبية لم يكن يحلم بها. وقد خرجوا معه بتلك المظاهرات. كان شعارهم "هب
يك هب يك، تباً تباً للملك". وصدر قرار يومئذٍ باعتقال كل من يحصل على "هب
يك".
خافوا
على مستر دو شيش من هذا القرار. وكانت الشرطة قد اعتقلتهم جميعاً، وحُكم على بعضهم
بالسجن، وفُصل بعضهم من عمله، وضُرب آخرون. أما المستر دو شيش فقد رمى الزار فحصل
كالعادة على دو شيش، فنجا من الاعتقال.
2/2
بقي
الأصدقاء متمسكين بأفكارهم على الرغم من أنهم خرجوا من الاعتقال "ملص"، فقد
كانوا ضد الظلم وسوء توزيع الثروات. وإن كان هو يبطن غير ما يظهر فإنهم كانوا
مخلصين لما آمنوا به.
فجأةً
لعن مستر دو شيش رزوقي النجار الذي كان قد تحول في تلك الأيام إلى "نجار قالب"
بعد أن ترك محله القديم خوفاً من الملاحقة. قال له: أنت من الشعوبيين وتحب كلَّ
شعوبي في هذه الدنيا. واستغرب رزوقي وظن أن الكلام يدور عن "شعُّوبي"
عازف الجوزة، فاعترف بحبه للشعوبية. وقد أتعبهم في فهم معنى الشعوبية، وبعد شرح
طويل فهمها لكنه لم يفهم العلاقة بين النجارة والشعوبية!
أخذ
مستر دو شيش في تلك الأيام يتكلم عن القومية العربية كلاماً لا مثيل له. وأقنعهم بأن
القومية أفضل فكرة تجمعهم. وجعل العالم كلَّه عرباً إلا قليلاً، وأثبت لهم أن آدم
عربي، ولغته عربية. وليته اكتفى بآدم، بل صعد أكثر فأكثر! وقد أقنع "أستاذ
حمودي" معلم اللغة العربية، بالانضمام إليه، إذ قال له: ألا يسرُّك أن اللغة
العربية لغة أهل الجنة؟ إنك لا تجيد غير العربية، وهذا ما يعفيك من تعلم لغات أخرى
في الدنيا والآخرة. ألا تفرح إذا قيل لك في الآخرة: أعربْ ما تحته خط؟ قال حمودي بحماسٍ
شديد: والله سأعرب لهم ما تحته خطٌّ وما لا خطَّ تحته؟
كان
في ذلك الحين يغضب عندما يسمع لقب "مستر دو شيش"، فقال: إن كان لابد من
تسميتي بهذا الاسم فأنا "السيد ستة على ستة". وقام بتعريب مصطلحات
الطاولي، من السي با دو والكِبير إلى الآﭽـغ والـﮕله، خطوةً أولى إلى تعريب جميع
المصطلحات العلمية والفنية...
قرروا
الخروج بمظاهرات من أجل وحدة العرب جميعاً، وحسبوها يومئذٍ "حساب عرب" فرأوها
فكرة ناجحة، فعندنا التاريخ والنفط والبشر واللغة وكل شيء... فخرجوا بمظاهرة تحت شعار
"كلا كلا دو باره، نعم نعم اثنين باثنين". وصدر قرار باعتقال كل من يحصل
على الدو باره.
اعتُقلوا
جميعاً، ثم خرجوا من الاعتقال بلا خسارة، فما كان عندهم شيء يخسرونه. وخافوا على
مستر دو شيش من الاعتقال والتعذيب، فقد كان المُنظِّر والمعلم والقائد. لكنه خرج سالماً
كالعادة، لأنه رمى الزار فحصل على دو شيش.
3/3
بدأ
أصدقاؤه يشكون في أمره، فما معنى أن يُعتقلوا دائماً ويعذبوا، ويخرج سالماً معافى
من جميع المآزق؟ بدؤوا يفكرون في مصيره ويتمنون أن يسقط. لكن الأوضاع في تلك
الأيام كانت مستقرة إلى حد ما، فقاموا بتظاهرة سلمية وديعة، ورفعوا اللافتات:
"سي بسي لا ﭽرﭙايه ولا كرسي". فصدر عفو شامل للجميع، وإن كل من يحصل على
دو سي يُعاد إلى وظيفته أو عمله الذي فقده.
فرِحوا
بهذا القرار، وقال رزوقي النجار هذه هي الأرقام التي نحصل عليها دائماً، فليذهب
مستر دو شيش إلى الجحيم، لقد ولى زمانه. فرموا الزارات فإذا برزوقي النجار يحصل
على دو شيش، وحصل الآخرون على دو بيش، وأقلهم حصل على دور جهار. أما مستر دو شيش
فقد حصل على دو سي ثلاث مرات متوالية. وتأسَّف – بتواضعٍ شديد - لأن الحظ قد خانه
ولم يحصل على دو شيش! فأعيدت له جميع مستحقاته التي لم يفقدها أصلاً!! وكان يغني
"علهدا علهدا، ارجع إكبر علهدا".
4/4
جادله
رزوقي النجار ببضع كلمات حفظها من معلم العربية، فإذا بمستر دو شيش يقول له ولمن
معه: إن وحدة العرب أمر محال. ثم من هو العربي؟ إنه الذي يرفع المفعول به وينصب
الفاعل من المحيط إلى الخليج. لابد أن ننتبه ونصحح أخطاءنا، وأفضل شيء يجمعنا هو
الدين، فاعتصموا بحبل الله ولا تفرَّقوا...
أصبح
المستر دو شيش داعية من دعاة الدين. وقسَّم الناس على أقسام: جاهلية أولى وثانية
وثالثة، وما قبلها وما بعدها... وكان يرمي بسهامه في كل جانب. وأقنعهم بأنه قد
اشترك بالفتوحات القديمة بأدلة قوية، وبأنهم سيُحشرون إن شاء الله مع من يحبون.
على
الرغم من ارتيابهم منه فإنهم ارتاحوا لكلامه، فليس بينهم وبين الدين من عداء. وضرب
لهم مثلاً من رزوقي النجار، فلو كان رزوقي موجوداً في ذلك الزمان لكان قد صنع المنجنيق
الذي ندكُّ به أسوار الأعداء. فرِح رزوقي بهذا الأمر، وقال والله أنا على أتم
الاستعداد لتحويل كل خشبة عندي إلى جزء من منجنيق أقاتل به الأعداء.
بدؤوا
بالتخطيط والتهيئة لمقاتلة الأعداء تحت شعار: "دور جهار دور جهار إما معنا أو
بالنار". وما إن شاع خبرهم حتى شُنت حملةٌ كبيرة لإلقاء القبض على كل من يحصل
على الدور جهار، فألقوا القبض عليهم. وقد خرج رزوقي النجار سالماً بعد المحاكمة، لأن
تهمته كانت هي التبرع بما عنده من خشب لصناعة منجنيق ضد الحكومة. لكنَّ ما أنقذه
أن الخشب الذي عنده هو من أردأ الأنواع، ولا يصلح إلا وقوداً "للسمك المسـﮕوف".
أما مستر دو شيش فقد حصل كالعادة على دو شيش، ونجا من التهمة بسهولة.
5/5
من
أجل أن يؤكد رزوقي النجار براءته ويتخلص من الملاحقة اشتغل فعلاً بشيِّ السمك المسـﮕوف،
مستعيناً بأصحابه النجارين في تزويده بما يحتاج من خشب. قال: تباً لك مستر دو شيش،
لقد نقلتني من حال إلى حال. ما علاقتي أنا بكل هذا؟ لقد فقدتُ كل شيء. وسأل عنه
فقيل له إنه قد أصبح رئيساً لمؤسسة تدعو إلى التسامح.
ذهب
إليه رزوقي النجار كي يهينه في مؤسسته، وعندما رآه سبَّه ولعنه وشتمه ورفع يده
ليصفعه، فإذا بمستر دو شيش يبتسم ويقول له: إصفعني على خدي الأيسر وسأقدم لك
الأيمن. فخجل رزوقي وسحب يده.
بدأ
مستر دو شيش يكلمه عن المؤسسة وأهدافها، وطلب منه الانضمام إليها. فقال رزوقي:
كنتُ صادقاً في تعاطفي مع كلِّ ما يخدم الناس، والنتيجة كما ترى، وأنت السبب. ثم ما
علاقتي أنا بمؤسسة تدعو للتسامح؟ أنا متسامح لأن الحياة قد علمتني التسامح لا
المؤسسات. وما أنا إلا نجارٌ قديم، قد انتهت علاقتي بالخشب الحقيقي، وأعيش الآن
على بقايا الخشب التي يتفضل بها عليَّ زملائي القدماء، وقد كرهتُ الخشب والنجارةَ
كلها. وهذه المؤسسات تحتاج إلى أشخاص كثيري الكلام قليلي العمل. وأنا، كما تعلم،
كثير العمل قليل الكلام، وقد تعبتُ من الاعتقالات والضرب على مسائل لا ناقة لي
فيها ولا بعير.
أقنعه
مستر دو شيش بالانضمام إلى مؤسسته، إذ قال له: سامحني إن كنتُ قد أخطأت، فالتسامح
أسمى من كل شيء. ولِمَ تستخفُّ بمهنتك وتكرهها؟ لقد كان المسيح نجاراً، وهو رمز التسامح
والسلام. ما عليك إلا أن تكون نجاراً جيداً وتصنع من الخشب أشياء مفيدة. عُد إلى
النجارة فإنها مهارة وذوق ونفع... وأنا على استعداد لأن أعيدك إلى مهنتك. وفعلاً
استأجر له محلاً جديداً في مكان آخر، وعاد رزوقي إلى نجارة القالب، لكن، بشروط
مؤسسة التسامح التي تبني دوراً للسكن والعبادة والعجزة تحت شعار "دو بيش
والكل يعيش".
لأمرٍ
ما صدر قرار باعتقال كل مَن يحصل على الدو بيش من أعضاء هذه المؤسسة. ومن بين جميع
أعضاء المؤسسة لم يحصل على هذا الرقم إلا رزوقي النجار.
أوكل
أصدقاء رزوقي محامياً ليدافع عنه، وقد أثبت المحامي للمحكمة أن ليس بين رزوقي
النجار والتسامح والرقة من صلة. فهو نجار قالب، وأصغر مسمار عنده هو "أربعة
إنج". ولو كان رزوقي في زمن المسيح لكان قد صنع الصليب الذي صُلب عليه المسيح،
فهو إلى قَتلة المسيح أقرب، وإن نجارة القالب بدعة وهرطقة لأن الكونكريت لم يكن
موجوداً. فرح رزوقي النجار بحكم البراءة، لكنه خجل من تعليقات الناس. حتى أن جارته
أم ريتا لم تُسلم عليه عندما سمعت أنه من قَتلة المسيح، ولو بأثر رجعي.
6/6
حقد
رزوقي النجار على مستر دو شيش حقداً كبيراً، وقال: ما كان عليَّ أن أصدقه وأتبعه، لكن
"من يعيش بالحيلة يموت بالفقر" و"لا يصح إلا الصحيح"، وعسى أن
أرى يومك قريباً يا مستر دو شيش. بينما كان في هذا الحديث مع نفسه، دخل مستر دو
شيش ملتحياً حاملاً رشاشة، وقال إما أن تكون معي أو ضدي. شعر بالرعب من مظهره، وقال
له: شيخ دو شيش، لك طريقُك ولي طريقي. فقال: إن الساكت عن الحق شيطان أخرس، وإن كل
من يتعاون مع الظالمين والكفار فهو كافر. تكلم يا ذيل الاستعمار، يا من لا تأمر
بالمعروف ولا تنهى عن المنكر. سأرمي الأعداء من هذا المكان. فقال له رزوقي: من
هؤلاء؟ "ليش تضربهم؟". فقال له: إن عارضتَ أو تفوهتَ بكلمة فهذا آخر يومٍ
لك في الحياة وأولُ يوم لك في الجحيم. أريد أن أسمع صوتَك العالي، قل: "دو
شيش وماكو ليش"، ورماهم مستر دو شيش بقذيفة. واعتُقل رزوقي النجار بتهمة الإرهاب،
أو بالتستر على الإرهابيين.
0/0
خرج
رزوقي من المعتقل "هب بياض". لكنه لم يخرج إلا بعد أن خبرهم بكل ما
يعرفه عن مستر دو شيش، من البداية إلى النهاية. وجلس في المقهى مرتاحاً بعد تلك
الاعترافات التي لن ينجو منها مستر دو شيش أبداً. وعندما حدق في تلفزيون المقهى،
رأى شخصاً مهماً يُكرِّم مستر دو شيش، المسؤول الكبير، شيخ المفكرين، الشاهد على
العصر، صاحب المؤلفات الكثيرة في كل شيء. وفي اللقاء الصحفي بعد التكريم، سُئل: لمَ
يسمونك بالمستر دو شيش؟ قال لأسباب عدة: منها أني أحب الحواريين الاثني عشر،
والأئمة الاثني عشر، وسيارتي كانت رينو 12، ودرجة نظري 6/6، وأحب الإنج أكثر من
السنتيمتر، وإني ميال إلى النظام الستيني أكثر من العشري، وقد عشتُ في زمن اثني
عشر ملكاً ورئيساً إلى يومنا هذا.
قال
رزوقي: هذا الكذاب الذي قفز اثنتي عشرة قفزةً فورَّط بها اثنتي عشرة أمةً، إن
كلامه كله شيش بيش. ضحك الحاضرون على كلام رزوقي وصفقوا له تصفيقاً حاراً. وفرح
لأنه قد عثر أخيراً على من يسمع كلامه الذي يفضح مستر دو شيش. لكنه فوجئ بأنهم
جلبوا له ورقة كانت معلقة على جدار المقهى كتبها مستر دو شيش يقول فيها: إذا قال رزوقي
النجار عن كلامي إنه شيش بيش، فسأدفع حسابه لمدة اثني عشر شهراً قابلة للتجديد.
فيصل مجهول
(نجم المشرق، العدد (57) السنة الخامسة عشرة (1) 2009).