recent
أخبار ساخنة

هوايات فقير

لم يكن بيني وبينه علاقة طيبة، فلا كنتُ أطمئن إليه ولا كان يرتاح إليَّ. كان شخصاً كبيرَ السن ذكياً حادَّ النظرات يدير أعماله بنجاح، وقد طلب أن أزوره فلبيتُ الطلب. وسرعان ما اكتشف استغرابي، فقال لي: لا تحتر كثيراً ولن أطيل الكلام، إن هي إلا كلمات تسمعها مني وبعد ذلك سأطلب منك طلباً. سأختصر لك أسوأ ما في حياتي، وأترك أفضل وأجمل ما فيها لأنه لا ينفعنا الآن.

لقد عشتُ حياة لم أختر معظم ما فيها من أحداث، ربما هكذا هي حياة أكثر الناس. لكني خلقتُ عالَماً وهمياً لم أكن فيه كما كنتُ في الحقيقة من الولادة إلى الآن، واستأجرتُ من يُثبتُ هذا ويشيعه بين الناس ليصبح حقيقة، فالمالُ يُدجن أقوى الأسود وأشرسَ النمور. وليست الحقيقة في مثل هذه المسائل أكثر من كذبة يتداولها عدد من الناس، وكلما ازداد عددهم ازدادت قوةً وصدقاً. لذا تسمع عني الآن: رجل الإحسان والخير والتقوى والكرم ذو الحسب والنسب...

في مرحلة من مراحل حياتي انشغلتُ بتغيير المصائر، أرفعُ هذا وأخفض ذاك، فأصلحتُ أناساً وأفسدتُ غيرَهم، وأعطيتُ بعض الفقراء ما لا يحلمون به، وأرسلتُ مرضى للعلاج في الخارج من دون أن يعرفوا؟ وأنقذتُ عوائل عدة من كوارث مرعبة. وفعلتُ عكسَ هذا أيضاً وإن لم يصل حد البشاعة، بل كان تحذيراً لبعض الأقوياء عندما يتمادون. إنه نوعٌ من أنواع اللعب والثأر للنفس، لا رغبةً بفعل الخير، كي أكون صادقاً معك، بل إثباتاً لنفسي وللعالم كلهِ أنني قادرٌ على تغيير مجرى حياة الناس. كنتُ من عائلةٍ متوسطةِ الحال، ويعجبني أن أصفَها بهذا الوصف، لأننا كنا أفضل من غيرنا بشيء واحد هو أننا نملأ بطوننا خبزاً ولا ننام جياعاً ولدينا تحصيل دراسي بسيط. كانت لدي أحلامٌ وأمانٍ وطموحاتٌ عرقلها الفقر، ذلك الفقر الذي قد يكون قسم كبير منه بسببِ الكسل وعدم بذل الجهد لتغيير الحال، وقسم آخر بسببٍ خفيٍّ لا نعرفه، كأن هناك شيئاً يوقفك كلما أردتَ أن تتقدم. كان أبي يردد دائماً أن لا عيبَ في الفقر، والمهم الشرف والأخلاق وراحة البال... وكنا نخجل من أن نسأله إذا تحقق الشرف والأخلاق فماذا نفعل بعدهما؟ هل الغِنى نقيض الأخلاق؟ هل يجلب الفقر راحة البال؟ ولماذا يستعمل الناسُ كلمة الفقر والفقير بالشتائم ولا يسبون أو يشتمون بالغِنى؟ لا تقل لي إنهم يقصدون غنى النفس، فما أبعد هذا عن مقاصدهم! كنا نسكن في منطقة لا تسمعُ فيها غير الشكوى، جارُنا الأيمن يصرخ ليلَ نهار: "كلُّهم قد ترَقوا وتطورا وأصبحوا زبالين، إلا أنا تعيس الحظ بقيتُ كناساً". وكانت زوجة أخيه الذي يسكن معه في الدار نفسه تردد جملةً أخرى لزوجها تُشبه تلك الجملة، فتقول: "كلهم أصبحوا رقاعين وإسكافية إلا أنت بقيتَ صباغ أحذية". وكان الأول منهما يروي لنا قصصاً جميلة عن كناسين يجدون نقوداً وذهباً وتحفاً ثمينة تنقلهم من حال إلى حال، لكن أفضل ما وجده هذا المسكين عملة ورقية صغيرة، كاد يموت بالسكتة القلبية من الفرح عندما وجدها، ثم تبين له أنها مزورة. وقد كتب جارُنا الأيسر فوقَ باب داره الذي يُشبه آثار بابل لكن من دون قيمة أثرية، كتب "هذا من فضل ربي" و"الحسود لا يسود" و"عضة أسد ولا نظرة حسد"، وعلَّقَ كثيراً من الكفوف والأشياء التي تطرد الحسد. وكان أفقر من جارنا الأيمن، فكل ما يمتلكه ديك ودجاجة، لا ديكُه يصيح ولا دجاجتُه تبيض، ربما من سوء التغذية. كان يريد أن يلبي رغبة ديكه بتعدد الزوجات فلم يستطع. وكلما حدث له أمرٌ سيء قال: "محسودين". كم تمنيتُ أن أشتري ديكاً ودجاجة، ولم يكن بالإمكان، وقال أبي: أجّلها قليلاً حتى تكبر ويصبح عندك مبلغ من المال تنفقه على هذه الكماليات، عليك أن تتعلم من تجارب الآخرين، أما رأيتَ أن الدجاج يموت وبعضه لا يبيض؟ كان كل شيء عند أبي كماليات، ولا أدري لو كان على قيد الحياة ماذا يقول عن الكومبيوتر والموبايل والانترنيت؟ أما جارُنا الذي يسكن أمامنا فقد أرسل ابنه إلى بيتنا وقال أنتم عائلة طيبة وأحببتُ أن يتربى عندكم كي يتعلم العلم والأخلاق، وكأننا جامعة أكسفورد أو السوربون. مع ذلك كنا نجيد القراءة والكتابة. في الطفولة كنتُ أحب الموسيقى، وقد مللتُ من النظر إلى الآلات الموسيقية من بعيد، وكرهت تلك الخشبة التي أدق فيها المسامير وأربط الخيوط كي أحصل على الصوت، كنتُ أريد الحصول على آلةٍ موسيقية حقيقية، لا تلك الآلة التي كان يعزف عليها جدي (النياندرتال) رحمه الله. وزرتُ أحد أصدقائي الذي لديه عشر آلات موسيقية ولا يجيد العزف على واحدة منها. كان يرى الآلة ويرغب في اقتنائها فتتحول رغبته إلى حقيقة بعد يوم أو يومين. أما أنا فكان عليَّ أن يكونَ لي عمرُ نوح لأحصل على ما أريد، كل شيء عندي يبدأ من الصفر، حتى كرهتُ الصفر ولعنتُ أولَ من اخترعه (لكنني عندما أصبحتُ غنياً أحببتُ الصفر، لأنه يجعل مئة الألف مليوناً). لم أحقد على صديقي فقد كان يسمح لي بلمس تلك الآلات، غير أن المختصين نصحوني بأن أتمرن كثيراً، وينبغي أن تكون الآلة الموسيقية عندي في البيت، وهذا ما لم يكن ممكناً. فحقدتُ على صديقي، وما الذي أمتلكه غير الحقد؟ وتجرأتُ وطلبتُ من أبي أن يشتري لي آلة موسيقية، فقال إنها من الكماليات، وقال عندما تكبر اشترِ ما تشاء. كان معذوراً إذ ليس بإمكانه أن يشتريها لي، ولم يكن بخيلاً أو يمنع عنا شيئاً يمكنه أن يحققه لنا. وأجلتُ الأمر إلى أن تصبح عندي نقود. كان بإمكاني أن أصنع ربابة من تنكة دهن الراعي، وأتدبر صناعة القوس من شعر ذيل حصان جارنا "أبو النفط"، لكنني كنتُ أحب البيانو أو الأورك (أمنيات مَلَكية في منطقتنا). وعندما سمع أحدُ الأقرباء برغبتي هذه منعني منعاً باتاً وقال: أتريد أن تفضحنا بين الناس؟ ماذا يقولون عنا أصبح قريبنا فناناً أو موسيقياً؟ وقريبي هذا الذي يخشى الفضيحةَ من الفن كان شخصاً محترماً مرموقاً في المجتمع، يسرق ويرتشي ويحتال ويخون و... لكنه، والحق يقال، لم ينسَ الصلاة يوماً. بعد يأسٍ من الموسيقى اتجهتُ إلى الرياضة، وكنتُ أحب رفع الأثقال، فهي لعبةٌ مسالمة لا ضربَ فيها ولا خشونة، وذهبتُ إلى النادي فقال لي المدرب: جسمُك يؤهلك لهذه اللعبة، لكنك بحاجة إلى بروتينات، ينبغي عليك أن تُكثر من أكل اللحم المشوي وتمتنع عما لا ينفع في بناء العضلات. وعدتُ إلى البيت، ذلك البيت الذي كان شقُّ البحر والدخول في بطن الحوت وإحياء الموتى والإسراء أسهل من دخول اللحم فيه. كنا نأكل اللحم في المناسبات، وقد بشرَّني أحد الأصدقاء يوماً بأن أمَّ القصاب قد ماتت، ولمدة يومين أو أكثر شبعنا من بقايا اللحم والعظام بعد تنافس شديد بينا وبين الكلاب والقطط، لأننا صغار ولا يُسمح لنا بالأكل علناً مع الكبار، مع ذلك فالعظام فيها كالسيوم وهو مفيد جداً. وتمنينا الصحة والعافية للقصاب ورجونا أن تموت عمته وخالته وأخته... فالناس لا يتذكرون إطعامَ الآخرين إلا عندما تصيبهم مصيبة، والحمد لله أن المصائب مستمرة. خبرتُ أبي برغبتي فقال لي: هذا ما استطعتُ أن أقدمه لكم، عسى أن تكبر في المستقبل وتصبح أفضل مني وتأكل ما تشاء من اللحم لتبني عضلاتك. يا بني، نحن عائلة مسالمة، ماذا نفعل بالعضلات، هل نضربُ بها أحداً؟ إنها كماليات. وقد عذرته وأعذره اليوم أيضاً. وقال لي عمي: يا ابن الأخ أما يكفينا أن تدبير العيش قد كسر ظهر أبيك وظهري، أتريد أن تكسر الأثقالُ ظهرَك وأنتَ في هذا العمر؟ وبقيت أتمنى، والتمني، كما يقال، رأس مال المفلسين، لكنني كنتُ أعتز برأس مالي هذا، فهو على أية حال رأس مال وأفضل من اللاشيء.

كبرتُ، وكبر الأصدقاء والجيران، وذهبتُ مع جاري لنخطب له ابنة رجل الدين الذي أحببناه كثيراً لأنه علمنا أن الناس متساوون أمام الله، فكلُّنا من آدم وآدمُ من تراب، ولا فرقَ بين غني وفقير إلا بالتقوى، وأن الفقراء أحباب الله، وكان يضرب لنا الأمثال من الفقراء الذين منهم أنبياء وأولياء وحكماء وعلماء...، وكنا عندما نسمع كلامه نمتلئ فخراً واعتزازاً، بل لا أبالغ إن قلتُ لك إننا خفنا من أن يحسدنا الأغنياء على ما نحن فيه من نعيم. وقد فوجئنا بأنه رفض الطلب، وانقلب هذا الإنسان الودود بلحظةٍ إلى رجل آخر يخرج من فمه ما لم نسمعه من قبل. وبعد مدة طويلة علمتُ أن كثيراً من الجُمل تُستعمل لملء الفراغ، وهي اعتياد لا أكثر ولا أقل، كما نقول للشخص بعد أن يجلس "الله بالخير"، ويُمكن أن تُحذف ويمكن أن تبقى ولا يتغير شيء. ومثلُها الكلام عن الخير والعدالة والحرية والشرف والصدق... جاء موعد الخدمة العسكرية، وتمنيت أن أدفع البدل، لكن، من أين؟ وقال لي الجميع: لن يموتَ أحدٌ إلا في يومه وساعته بالضبط، والعسكرية تصنع الرجال، ومن لم يدخل العسكرية ليس رجلاً. لم يكن لي إلا أن أومن بهذه الجمل، وما كان عندي سجلٌّ بمواعيد موت الناس كي أتحقق من هذه الأقوال. كنتُ أرى أن الذين لم يدخلوا العسكرية لم ينقص من رجولتهم شيءٌ قط. هذا من ناحية الطريق الرسمي، أما غير الرسمي فكانت الرشوة، هذه الطريقة التي لعنتها أديان وأنظمة، صامدة قوية تتحدى السماء والأرض معاً، يباركها ملايين البشر، فلولاها، في دُول الفوضى والعَبث، ما أُنجزت معاملةٌ ولا خرج أحدٌ من المستشفى سالماً ولا ولا ولا. ورأيت بعض من أعرفهم يدفعون الرشوة ولا يذهبون إلى القتال، وكنا نتمسك بأن لا يموت إنسانٌ ناقصاً عمراً، وحقيقةً كنا نتمنى أن يموتوا، ولو بأمراضٍ خفيفة كالسرطان أو الإيدز أو انفلونزا الطيور أو بحادث مروري كي نشعرَ بشيء من العدالة. وكان كثيرٌ من أصحابنا يضربون أمثلةً على صدق قولنا من كل شخص خاض معارك عنيفة ولم يُقتل من خالد بن الوليد إلى الوليد بن خالد. ثم انتهت المعارك، وعاش وكُرِّمَ من دفع الرشوة وقُتل ونُسيَ البطل. وكان أحد أصدقائي يقول: اللهم لا ترحمهم في السماء كما رحمتهم في الأرض، وكان دعاؤه الحقود يخيب دائماً لأن الله لا يُجيب دعاء الحقود، وأن الذي رحمهم في الأرض قد يرحمهم في السماء، والمسألة كلها من عالم الغيب! ذكرتُ لك شيئاً من الماضي، وأنت تعرف بعض حاضري، وبقي المستقبل كله، لا تسخر من شيخ كبير يلفظ كلمةَ "المستقبل"! فقد كان ماضيّ وحاضري حاجةً ممزوجة بالحقدِ والتحدي وأشياء أخرى اختلطت كلها وأنتجتني، وأرجو أن يكون مستقبلي تحطيماً لها، وقد بدأت بالخطوة الأولى منذ زمن، وستستمر الخطى رغمَ الظروف، ولا تعجب فهذه بقايا التحدي، فالفقر والحاجة يخلقان تحدياً وطموحاً لا تعرفه أنت. هذا، كما قلتُ لك، أسوأ ما في حياتي، والآن لا أريدُ أن اشتري الجنة بمالي ولا أن أبني بناءً يقيني عذاب النار، بل أريد، ببساطة شديدة، أن أبنيَ مكاناً لممارسة الرياضة والموسيقى مجاناً، وعندي ما يمكنكم من الحفاظ عليه مدةً طويلة من الزمن، وودتُ أن تساعدني في هذا، أملاً مني في أنك تتجاوز صفاتي السيئة، كما تجاوزتها أنا، فما عاد يُسعدني إلا أن أرى الفرحة في العيون.

وصارَ المركز، وجلبنا أفضل المدربين والمعلمين إليه، وجاء الأطفال ليمارسوا هواياتهم. وكان الشيخ جالساً في إحدى الغرف القريبة، فرآه صبي وقال له: يا عم، هل تستطيع أن ترفع هذا الثقل؟ (وكان الثقل بوزن كيلويين)، فقال: بني، هل تظن أن رفع كيلوين بطريقة صحيحة أمرٌ بسيط؟ إن عضلاتي بالكاد ترفعني من هذا الكرسي. ثم رأى طفلاً وقال له: هل تعلمتَ السلم الموسيقي؟ فقال الطفل: نعم، إنه بسيط جداً، نبدأ بالدو ثم نصعد إلى السي، وأستطيع أن أطبقه على جميع الآلات. هل تعرفه؟ حاول معي. فرحَ الشيخ وقال: لقد تركتُ السلالم كلها ونزلتُ منذ زمن بعيد من السي الدو، والآن أنا في آخر قرار. ثم قال في نفسه: لا يعلمون أن تعلمَّ السلم يتطلب عمراً بأكمله بكل ما فيه من رغبةٍ وحب وظلم وتمنٍّ وعجز، لكنني ممتلئ فرحاً، كأن هذا الفرح يجعلني أحمل الأثقال وأعزف على جميع الآلات وإن كانت الأذن لا تسمع والأصابع لا تتحرك وبيني وبين السكون الأبدي مدة قصيرة.

فيصل مجهول

(نجم المشرق، العدد (53) السنة الرابعة عشرة (1) 2008).

author-img
فيصل غازي مجهول

تعليقات

google-playkhamsatmostaqltradent