لم أنسَ ضحك زملائي في المدرسة عندما سألني المعلم عن اسمي. كنتُ أتردد قليلاً ثم أذكره بخجل، وبعد ذلك أسمع تعليقات لا تنتهي. لم يكن اسمي غريباً ولا قبيحاً، اسمي "عصفور"، وأكثر الناس يحبون العصافير.
ليت الأمر ينتهي عند اسمي فقط، لكن اسم أبي هو "زرزور". ومن هنا نشأت العقدة التي أخذت تنمو وتكبر مع الأيام، لاسيما أن المجتمع قد وفر أجواء صالحة لها. وقد أحسَّ أحدُ المعلمين بعقدتي وخجلي من ذكر اسمي فقال: هل تعلم ما اسم أبي وجدي وعمي...؟ وذكر لي أسماء ضحكتُ من غرابتها أو بشاعتها. ثم قال لي: كن قوياً وأهمل هذه المسألة، المهم أن يكون فعلك وعملك وسلوكك جيداً محترماً. يا بني إن عقدتك بسيطة، فماذا يقول من فقد يديه أو عينيه...؟ لقد أدخلَ هذا المعلمُ الفرحةَ إلى قلبي. لكن مُعلماً آخر كان قد قتل هذه الفرحة، لأنه كان يسخر من اسمي: ها.. عصفور.. انشغلتَ بالطيران هنا وهناك ولم تُحضر الواجب؟ تُرى إذا أسأت التصرف من يكفلك، "زرزور"؟ ثم يذكر المثل الشائع مع تقديم وتأخير "عصفور كفل زرزور...". كم تمنيت أن يضربني بالعصا ألفَ مرة بدلاً من هذه السخرية؟ كنتُ أتضايق عندما أسمع المثل القائل "اسم على مسمى"، فعندما يرى الناس شخصاً اسمه كريم وهو كريم، أو اسمه عادل وهو عادل فعلاً يقولون هذا المثل. ويسخرون عندما لا يتطابق الاسم مع الفعل، كأن يكون اسم الشخص "كريم" وهو بخيل، أو يكون اسمه "عادل" وهو ظالم. أما أنا فلا هذا المثل ينطبق عليَّ ولا ضده، ولا يفرحني أن أكون اسماً على مسمى أو اسماً لا يطابق المسمى؟ لأن اسم عصفور سيكون موجوداً في الحالتين. يا للعقدة! لقد كرهتُ جميع الطيور وتمنيتُ أنها لم تُخلق. شعرتُ بالفرح عندما سمعتُ أن الصين قد أبادت العصافير في يوم ما، وحتى إذا لم يكن هذا الخبر صادقاً فإنني تعاطفتُ معه. وقلتُ إذا أصبحتُ مسؤولاً كبيراً سأمنع أسماء الطيور. ومن حسن حظ الناس أن الأمور لا تسير على وفق رغبة شخص معقد.
كنتُ ألح على أبي أن يخلصني من هذا
الاسم. لكنه رفض وقال: ألا تخجل من نفسك؟ ألا تحب اسمك الذي أطلقتُه عليك؟ ألا تحب
اسم أبيك الذي يحترمه الكبار والصغار؟ هل نحن لصوص أو قتلة فتخجل منا؟ وذهبتُ إلى
عمي "رمضان" الذي كان عنده شيء من التحصيل الدراسي، وسألته عن سبب
تسميتي بهذا الاسم وسبب تسمية الناس بأسماء غريبة. قال: يا ابن الأخ، لا تلم
أحداً، فقد مرت بنا ظروفٌ صعبة، فكل إخوتك وأخواتك قد ماتوا بعد الولادة، ونحن
أناس تلعب بنا الأقدار لعباً ولا حيلةَ لنا غير التفاؤل والتشاؤم. فإن حدث فيضان
أسمينا أولادنا بكل ما له علاقة بالماء، وكذلك الجفاف والمطر والمرض وكل ما يخطر
ببالك من عالم الطبيعة وعالم الإنس والجن. قلتُ: لكن اسمك "رمضان". قال:
نعم لأنني ولدتُ في أول يوم من شهر رمضان. قلتُ: يا للحظ السعيد! ليتني وُلدتُ في
شهر شعبان أو رجب أو حتى في نيسان أو آذار... قال: أتحسدني على اسمي وحياتي كلها
أشبه بالصوم الإجباري؟! هل تعلم يا ابنَ الأخ أن أمك كانت تتفاءل بحمير الجيران لأن
ولاداتهم ناجحة، وأرادت أن تسميك "..."، لكن عمتك اعترضت وهي التي
اختارت لك هذا الاسم، فقد صادف أن شاهدت عصفوراً صغيراً جميلاً وقالت إنك تشبه هذا
العصفور. وقد أخطأت لأنه كان من الأفضل أن يسموك "غراب"، كي يطرد الشر
وتعيش. إنها مصادفات وما كنا نفكر طويلاً.
اقتنعتُ بهذا الكلام، فاسمي أفضل من
الأسماء الأخرى. ثم سألتُه عن تاريخ ولادتي بالضبط، فقال: في 1/7 بحسب الجنسية
وشهادة الجنسية، قلتُ أعرف هذا لكني أريد المضبوط. قال: المضبوط أنك ولدتَ في الربيع
أو الصيف أو الخريف... تقريباً. قلتُ: يا عم، ما هذا؟ دعك من اليوم والشهر، في أية
سنة ولدتُ؟ قال: أنتَ وُلدتَ بالضبط في السنة التي ماتت فيها بقرة أم هاشم. قلتُ: يا
للتاريخ العظيم! هل هو بداية حرب عالمية أم نهايتها؟ قال: لا تسخر، كانت هذه
البقرة عندنا أهم من جميع التواريخ. إنه عام مهم غيَّرَ مجرى حياتنا، وكنا نقول عن
كل حدث: موت، ولادة، زواج... أنه قد حدث قبل موت البقرة أو بعده.
بدأت أدافع عن اسمي بشراسة، فأقول
للناس: إن الأسماء لا تقدم ولا تؤخر ولا تنقص من قدر أحد. لكن المشكلةَ أن الناس
متفقون معي، كل ما هنالك أنهم كانوا يضحكون عندما يسمعون الاسم، وأحياناً يعتذرون.
والانطباع الأول هو الذي دمرني تدميراً. سمعتُ أحد المدرسين يقول: إن بعض العرب
القدماء كانوا يطلقون الأسماء الجميلة على عبيدهم وخيولهم، ويطلقون الأسماء
القبيحة والمنفرة على أبنائهم. لأنهم يسمون عبيدهم وخيولهم لأنفسهم، ويسمون أبناءهم
لأعدائهم، لأن الأسماء القوية تُرهب الأعداء. فقلت بحسرةٍ: لا اسمي من أسماء
العبيد أو الخيول الجميلة الأصيلة ولا هو من الأسماء القوية التي ترهب الأعداء،
فهل يخاف العدو المقاتل من العصفور والزرزور؟ كلما انتقلتُ إلى مدرسة أو مرحلة
جديدة مررتُ بالمواقف نفسها، ضحكات والتفاتات وتعليقات، حتى كرهتُ الجديد والتجديد.
وقد تعبت من تبرير أمرٍ لا يحتاج إلى تبرير، تعبتُ من الدفاع عن قضية تافهة. قلت
في نفسي لو كان أهلي لصوصاً وقتلة لكان حالي أفضل من هذه السخرية التي لا تنتهي.
ما بهم أحفاد جارنا أبي سالم؟ يقال إنه قد حصل على جميع الأراضي بالسلب والنهب والقتل،
لكن أحفاده، سلوم وسليم وسلمان وسلامة، قد سلموا من كل شيء، وهم اليومَ محترمون في
المجتمع، من أولاد العوائل والأوادم والحسب والنسب والأسماء الجميلة.
كنتُ أسير مع أبي فسلم على شخص:
"أهلاً أبو غايب"، كيف حال أم غايب؟ وكنتُ أريد أن أظهر الود لهذا الشخص
المحترم، فقلتُ له: كيف حال ولدكَ غايب، عسى أن يكون بخير؟ فإذا بضربة مفاجئة من
أبي على رقبتي. أما الرجل فقد قال: "بخير بخير"، ثم ابتسم وودعنا. فقال
لي أبي: لو أنني أسميتك بالاسم الذي اختارته لك أمك لكان أفضل. أما تعلم أن الذي
ليس له أولاد نسميه "أبو غايب"؟ لقد أحرجتَ الرجل وأحرجتني. ثم سلم على
الشرطي "أهلاً أبو إسماعيل"، ورد التحية على الجندي "وعليكم السلام
أبو خليل"، وكان يقول لي بعد كل تحية "اسكت ولا تفضحنا". ثم جلسنا
في مقهى "أبو عادل"، وقد رحب بنا الرجل ترحيباً كبيراً وسأل عن كل أفراد
العائلة. فقال أبي: أليس من اللياقة والأدب أن تسأله عن ابنه عادل وبأي صف أصبح؟
قلتُ: ظننتُ أن "عادل" مثل خليل وإسماعيل وغايب...
كررتُ على أبي طلب تغيير الاسم، وقلت
له: أبي، سأدخل الكلية في يوم ما وسأخرج إلى عالم أكبر من منطقتنا هذه، فإذا أصبحت
في يوم وزيراً، فماذا سيقولون عني: جاء الوزير عصفور، وماذا ستقول المعارضة عني
إذا أصبحتُ وزيراً للتجارة؟ أكل الحبوب وطار. وماذا أقول إذا أصبحتُ وزيراً للدفاع
والدول تتخذ الصقر شعاراً لها؟ هل العصفور بن الزرزور يجابه الصقور والنسور؟ وإذا
أصبحتُ ملكاً مثل ملوك فرنسا، فماذا ستكون أسماء أحفادي.. عصفور الرابع عشر؟ اقتنع
أبي، ربما ظن أنه من الممكن أن أكون وزيراً بعد أن أنهيتُ الابتدائية بنجاح. وهل
تحتاج الوزارة أكثر من شهادة الابتدائية؟ قال إن جدك "محمد" قبل أن
يتزوج كان الناس يسمونه "أبو جاسم" كعادة أهلنا، كما أن كل علي هو أبو
حسين، وحسين أبو علي، ومحمد أبو جاسم، وهكذا في عباس وفاضل، وليد وخالد... وكان من
المفروض أن يكون اسمي "جاسم". لكن هكذا جرت الأمور، فقد تأثر أبي بالشيخ
زرزور، فسموني بهذا الاسم. يا بني، إن الشيخ زرزور رجل عظيم. قلتُ بعصبية: ما
عظمته؟ هل هو آنشتين أو فرويد أو طه حسين أو نابليون؟ فضحك وقال: أنتَ جاهل ولا
ألومك، من هؤلاء؟ إن الشيخ زرزور أعظم الناس جميعاً بعد الأنبياء. لم أُطل النقاش،
فقد وافق أبي وكنتُ أخشى أن يتراجع. قال: الآن سألبي طلبك وأغير اسمي إلى
"جاسم"، ثم أنني لا أملاك عندي ولا أراضي ولا أي شيء يعرقل المعاملة. فقلت
له: لقد أسديتَ لي خدمة كبيرة، وما قصرتَ معي بشيء، لكن، ما دمتَ ستغيره فاجعله "قاسم"
فإني أراه أفضل. فوافقَ وقال: بعد الشيخ زرزور سواء عندي أن أكون جاسماً أو قاسماً
أو باسماً... فغيَّر اسمه. وبعد أن رأى حيرتي في اختيار اسمٍ لي من بين أسماء
جميلة كثيرة، قال لي: أنا سأختار لك الاسم، ولا تَخفْ فلن أعود إلى الطيور. وكنا
في تلك الأيام نعيش أحداث ما بعد ثورة الرابع عشر من تموز، وفي أيام الثورات
والانقلابات تظهر أسماء كثائر وانتصار ونضال وكفاح... قال: أتمنى أن يكون اسمك
"عبد الكريم" على اسم الزعيم. فقبلتُ، وأصبح اسمي اعتيادياً أذكره بصوت
عال. فالناس يسمون أولادهم على أسماء العظماء والمشاهير، عسى أن يكونوا مثلهم، أو
هو نوع من أنواع التشبه بهم أو الاعتياد. والمسألة كلها أشبه بالسحر، فالاسم، كما
يقولون، يجلب الحظ. مثل أسماء المحلات والأسواق وغيرها... فهل سمعتَ بمحل
"الخيانة العظمى" أو "مستشفى التابوت" أو "بنك
المحتال" أو "صيدلية السرطان" أو "مدرسة الغباء" أو
"معرض الحوادث لبيع السيارات"، لا وجود لهذه الأسماء وإن وُجدت في
المستقبل فمن باب الإثارة. فرحتُ باسمي الجديد مدة قصيرة ثم انقلب الحال وأصبح هذا
الاسم شُبهة. فقد اعتقلتُ مع السياسيين ولم أكن سياسياً بل كنت متعاطفاً مع جماعة
بحكم الظروف المتشابهة. واكتشف الذين اعتقلوني أني قد غيرت اسمي حديثاً، فأصبح اسمي
وبالاً عليَّ. كم تمنيت وأنا في السجن أن أرجع إلى العصفور والزرزور؟ فما علاقتي
أنا بالزعيم وبالسياسة؟ ونذرتُ نذراً هو أنني إذا خرجتُ سالماً رجعتُ إلى اسمي
القديم. وقد سمع زميلي في التوقيف مشكلتي مع الاسم، فقال لي: إن جدتي خبرتني أن
الشخص إذا لم يكن محظوظاً فعليه أن يغير اسمه، عسى أن يتغير حظه، ومادام الحظ لم
يحالفك مع اسمك الجديد، فلمَ لا تجعله "عبد السلام" أو "عبد
الناصر"، بدلاً من "عبد الكريم"، وكلنا عبيد لله؟ قلتُ: كلا، سأعود
نادماً إلى العصفور الذي لن يحسب على جهة. قال: مادمتَ مصراً على اسمك لمَ لا
تهاجر فيكون اسمُك بالإنجليزية "أوسفور" وهو جميل بهذه اللغة كأنه جامعة
"أوكسفورد" أو مضيق الـ "بوسفور"؟ قلتُ: كلا. وبعد قراري بيوم
واحدٍ فقط استدعاني أحد المحققين وقال لي إنه اشتباه فقط وأطلق سراحي. وندمتُ على
النذر، ليتني تأخرتُ يوماً آخر قبل أن أنذر، لكنني نفذتُ، فليس من طبعي أن أخون
العهد ولو كان مع نفسي. أما أبي فقد قال لي إنه لن يغير اسمه الجديد أبداً، فقد
جلب له الحظ وتزوج زوجةً جديدة. هذا الحظ الذي نقله بعد أسابيع إلى عالم السعادة
الأبدية في السماء.
في الكلية تبادلتُ النظرات مع فتاة
لطيفة رقيقة جميلة شغلتني ليل نهار. لم أكن أعرف اسمها، وتجرأتُ يوماً وسألتُها عن
اسمها، فقالت: "حربية خنجر عسكر"، فهربتُ منها ولم أعد إليها، لقد خفتُ
منها لا لشيء إلا لأنني معقد من الأسماء، وخجلتُ من نفسي وندمتُ حيث لا ينفع الندم.
وازددتُ ندماً عندما تعرفتُ على فتاة اسمها "همسة نسيم"، وفي موقف معين سمعتُ
صوتها الحقيقي وانتبهتُ إلى أفكارها وقلتُ في نفسي لو أنها تبدل اسمها إلى
"صرخة عاصف" لكان أفضل.
وانتهت عقدتي تماماً، لكنّ ما خطر في
بالي في الطفولة عن منع الأسماء رأيتُه في كبري، فقد أراد جاري أن يسمي ابنه
"فهد" فمُنع لأن جميع الفهود كانت في تلك الفترة مكروهة من الملك إلى
مؤسس الحزب الشيوعي، ثم أراد أن يسميه "جورج" أو "توما"
فمنعوه أيضاً لأنها أسماء أجنبية. ثم مرت السنوات وأصبح معظم الناس يخافون من
أسمائهم، فكم من شخص قد غير طريقه خوفاً من اسمه، أو غير اسمه خوفاً من الطريق.
وقد أراني أحدُ الأصدقاء، وكان حذراً لا يحب المجازفة، هويتَه المزورة التي أراد
أن ينقذ نفسه بها من الشمال إلى الجنوب، وقرأتُ اسمه الجديد الذي اختاره له مزوِّر
مبتدئ، فإذا به "ميخائيل عمر عبد الزهرة الجاف". فقلتُ له: إن كثيراً من
المجازفة خيرٌ من هذا الحذر الأحمق.
فيصل غازي مجهول
(نجم المشرق، العدد (54) السنة الرابعة عشرة (2) 2008).
